صراع الثيران: تدوين عن مسارح النزال في إسبانيا، ما بـيــن إشبيلية وسان سباستيان
- 2 hours ago
- 4 min read

لقيت وصفًا لحلبة صراع الثيران في مدينة سان سباستيان، شمال إسبانيا. كتبه مؤرخ مصري خلال زيارته إسبانيا قبل مئة عام. ذكرني وصفه بما رأيت في إشبيلية، جنوب البلاد، حين زرت إحدى تلك الصراعات الدموية التي أقاموها في حلبة صراع المدينة.
كتب محمد لبيب البتنوني عدة رسائل عن رحلته إلى إسبانيا، والتي كانت في عام 1926 للميلاد. رتب رسائله حسب المدن التي زارها مبتدءًا من أقصى الشمال بمدينة سان سباستيان في بلاد الباسك بالقرب من الحدود الفرنسية. قارنت وصفه للمدينة بما أتذكر من زيارتي لها، حيث قضيت فيها شهرًا كاملًا وسرتني طبيعتها التي امتدحها البتنوني. ظللت أقرأ رسالته عنها وأنا أعرض في مخيلتي مشاهد المدينة بجبلها وشواطئها وجزرها الصغيرة، إلى أن تحدث عن زيارته لمسرح صراع مع الثيران. تلك اللحظة انتزعني فكري إلى إشبيلية وحلبة صراع الثيران التي زرتها. صرت ما أجد من وصف البتنوني للصراع الذي حضره يكاد يطابق ما أنا شهدته في مدينة أخرى.
كنت قد دونت في رحلتي تلك عن ساحة النزال ومصارعة الثيران التي حضرتها. كان وصفي مقتضبًا وأسلوب كتابتي فوضوي وغير متقن لضعف مزاولتي للكتابة تلك الأيام.
فكرت أن أقتبس من رسالة البتنوني بعض حديثه عن تجربته، والتي ذكر فيها أن ملك إسبانيًا كان حاضرًا في نفس الحلبة ورآه يكرم الفائزين بالصراع. لم يأت ملك إسبانيا إلى إشبيلية يوم أنا حضرت الصراع، لكن مع ذلك، سأضع بعضًا من تدويني في وصف ما شهدت هناك في الحلبة الحمراء، كما أضع بعض الصور النظيفة من أي مشهد دم. أفادتني الآن صدفة أن رافقنا ذلك المصور الألماني، وإلا لبخلت هذه المقالة عن الصور.
سيظهر لك من الاقتباسات التشابه ومدى الاختلاف بين النزالين الإشبيلي والباسكي، كما التباين بين أسلوب الكتابة عند البتنوني وتمايزه عن أسلوبي غير المتمرس في حينه. وأما الفارق الزمني بين النصين فقد يصعب على التمييز بينهما من خلال المكتوب هنا، أظن ذلك.
*
اقتباسات من زيارة البتنوني لصراع الثيران -
كتبها في رسالته الأولى عن مدينة سان سباستيان وحضوره صراع الثيران هناك. نشرت جريدة الأهرام رسائله بعنوان "جولة في إسبانيا"، ثم جمعها في كتاب بعنوان "رحلة الأندلس"
يقول المؤلف فيها:
(وصلنا إلى هذا المكان فوجدته دائرة أرضية يبلغ قطرها ثلاثين مترًا على أقل تقدير وهي مكان الصراع. ويحيط بها سياج خشبي متين على ارتفاع نحو مترين، وفيه باب يدخل منه المصارعون من إنسان وحيوان، ومن دونه أبواب غرف الثيران لكل واحد غرفة، ومن وراء هذا السياج قامت أمكنة المتفرجين، وهي تتدرج إلى ثلاث درجات بعضها فوق بعض بميل إلى الوراء...
وهنالك فُتح باب غرفة على المسرح فاندفع منها ثور هائل بحالة تُوقِع الرعب في قلب من لم يتعود مثل هذا المنظر، وكأني به وقد وقف برهة والشرر يطير من عينيه وهو يجيل نظره في خصومه يتخير الجهة التي يهجم منها، ثم لا يلبث أن يهجم على أحد المصارعين...)
ويقول:
(فإذا هجم عليه قابله الفارس بالرمح في قفاه بقوة قد تدفع الثور إلى الوراء فتوقفه عن الهجوم، وهنا تظهر كفاية الفارس، ومقدرته، وقد تصدق هجمة الثور فيدخل رأسه تحت بطن الفرس ويرفعه على قرنيه فيخر الفارس وفرسه جميعًا على الأرض. وعندها تظهر أحشاء الفرس الذي يفارق الحياة لوقته....
وقد ترى القوم في أثناء هذا الصراع متحمسين للمنتصر من الخصمين ناقمين على المنخذل، فيصفقون للثور أحيانًا ويصفرون لخصمه كلما جبن في كراته أو أتى بحركة غير قانونية.)
*
من مذكراتي -
هنا بعض مما كتبت في زيارتي لإشبيلية قبل عشرة أعوام، وسميتها "مصرع الثيران". ربما العنوان هو أجود ما فيها وأحسنه.
كتبت حينها وقلت:
(رأينا الجنون نتفرج عليه، والحماقة تطل من دائرتهم: رملية حمراء، سطاعة غبراء، تأكلها الشمس ويعلوها الهمس. الناس تترقب، وأهل البلد تصرخ وتصفق. هي رياضة للمبارز، وحتف أو بقاء للثور بل لا بقاء له. اختار أحدهما أن يبرز للموت ويصارعه، بينما الآخر لا قرار له؛ بل الموت مصيره وفيه قراره بعد عنف وخوف يشهده اثنا عشر ألفًا بأطفالهم. لا يبخلون على أطفالهم بإحضارهم، يئدون قلوبهم قبل أن تعقل.)
ومما كتبت:
(جرحوه قبل أن يخرج للساحة، واستمروا في جرحه بحرابهم أمامنا. ثم يأتون بثور آخر بنفس حاله ويبارزه آخرون بألبستهم البراقة الملونة ومعهم حصانين مغطاة أعينهما. يصيبها أذى هيجان الثور. لا أعرف سبب جلب الحصانين، ألم يكن الثور وحده كافٍ ليعاني فيأتون بحيوان آخر؟
يخرج لسانه أثناء النزال، وأنفه يسيل وجلده يعرق، ويتكرر خروج بوله. كل ما في جسده يهرب، جوفه ينتفض كأن قلبه يريد الفرار من بطشهم.
جرح الثور الأول المبارز ولم يقض عليه؛ أسعفه زملاؤه الستة بتغطية مرأى الثور بالأحمر ليفقد التركيز. أسفت على ذلك، فالثور أشرف منه. الثور الثاني مات بطيئًا بعد أن اعتدى على الحصان في مقدمته مرارًا. الثالث كان حائرًا ومرهقًا، لم يرد ألاعيبهم. والثور الرابع صارع بهدوء وأطال بقاءًا ولم يرتطم بالسياج الخشبي كسابقيه. الخامس خُدع كثيرًا بجبنهم، وأما السادس فكان أعندهم وأثبتهم؛ لم يغير ذلك من مصيره.)

*
روايتي الأولى وثيران إسبانيا -
تسللت إلى مخيلتي هذه التجربة في مشاهدة صراع الثيران، ومعرفتي البسيطة بتاريخ هذه "الرياضة" حسبما يدعون في تسميتها رياضة، إلى أن كان للثيران نصيب في الرواية، وإن كان ساذجًا. حكى الراوي عن مصارعة الثيران وزيارته لمتحفها، كما أنه أبدى شكه في أن لبطل حكايته "عبد الرحمن" اهتمام بالثيران. لم يستطع الراوي التأكد واكتشاف مدى اهتمام عبد الرحمن بها، رغم أن راوي الحكاية هو محقق صحفي أصيل.
لم يكن ذكر الثيران في روايتي أمرًا مهمًا، ولا مؤثرًا في صلب الأحداث أو مفسرًا للحبكة أو معقدًا لها، بل لا شأن له بثيمات الرواية حتى. إنما هو كان أمر طفيف يتعرف عليه كل من يقيم أو يسافر إلى إسبانيا: شخصيات الرواية، وأنا في رحلاتي إليها، والبتنوني برحلته قبلنا.
عنوان روايتي هو "حكاية عبد الرحمن الرابع". ذكرت العنوان في مقالة سابقة، وها أنا أعيد ذكره مرة أخرى، وسأواصل تكرار العنوان بين وقت وآخر حتى تصدر الرواية في قادم الأيام؛ ربما خلال أشهر قلائل بعد التاريخ المذكور أسفل هذه الكلمات.
محرم 1448




Comments