top of page

شاطئ لا كونشا وتلصص مارياس: عن رحلاتي الإسبانية، وعن روايتي أيضًا

  • 22 hours ago
  • 4 min read

أنعش الكاتب الإسباني خافير مارياس ذكرى الشهر الذي قضيته في مدينة سان سباستيان في بلاد الباسك شمال إسبانيا. حصل هذا عندما كنت أقرأ إحدى قصصه وفيها شخصيات تتلصص على المصطافين في شاطئ لا كونشا في قلب سان سباستيان، أو دونوستيا كما يقولونها في لغتهم المحلية. لا أقصد أن فعل التلصص في الشواطئ هو ما ذكرني بالمدينة ومقامي فيها، بل وصف الراوي لشاطئها ووصف بهجة أهل البلدة وزوارها أيام إجازاتهم. قرأت حكايته وأنا أتخيل نفسي هناك مرة أخرى، وأتخيل من وصفه وسرده بقدر ما أتذكر من مناظر شهدتها.

أقمت في المدينة خمسة أسابيع في أواخر الربيع وبداية الصيف قبل عدة أعوام. أمتعني جمال بحرها، وعذوبة جوها، وحسن أشجارهم، وصف أرصفتهم، ورونق بناءهم. تحار بين جمال المباني من خلفك، وجمال الشاطئ والبحر وجزره من أمامك، وأما الجبال الخضراء في اليمين واليسار فتحد المدينة لا تدري أين يصب نظرك.

أتذكر الجبل الشرقي لسان سباستيان، الذي صعدته في يوم غائم في رحلة كشفية أخذت مننا خمس ساعات حتى وصلنا ميناء صيد قديم في قرية مجاورة. وصعدت الجبل الغربي في عربة حمراء قديمة مربوطة بحبل إلى ملاه متعبة لا تبهج أحدًا إلا في مطلها على البحر والشاطئ والمدينة. وأما شواطئها الثلاثة فسبحت فيها كلها، وتسكعت على رصيف أحدها أوقات الغروب كلما صفت السماء، واستكشفت في حواف الجبل عند شاطئها على الطرف الأيمن ما بين صخوره.

أتذكر مساء يوم انتشر فيه أهل البلدة دون زوارها في أحد هذه الشواطئ. أتوا بعد المغيب بعدد وأوراق وأخشاب وقطع أثاث صغيرة، وتحلقوا جماعات متفرقة على الرمل. ملأوا المكان وهم يغنون ويشعلون الحرائق فيما جمعوا؛ كأنهم في رحلة للبرية أو لغابة يشعلون الضوء. ابتهجوا بفعلهم، ورقصوا حول أضوائهم، وأزكموا أنوفنا بالدخان. صار الشاطئ أصفر يعلوه الدخان؛ أضاءوا الشاطئ ولمعت الأمواج بزبدها. ثم صار كل واحد يأخذ شعلة ويضيء بها بالونًا مجوفًا ويطلقه في السماء. طارت الأضواء إلى الأعلى وتبددت بين سحب الدخان. كان هذا هو يوم التخلص من العلائق يتبركون فيه بالتخلص من كل أثاث قديم أو مكسر لتحل عليهم بركة جديدة. يفعلون ذلك في يوم محدد عند دخول الصيف كل عام في عادة تبهج الأنفس.

أكملت قراءة قصة مارياس عن الشاطئ وترقب بطلها عن ذلك المتلصص وأنا أجاهد نفسي ألا أسرح عما أقرأ، ألا أغوص في ماضيّ مع تلك البلدة. وصلت نهاية القصة وقد أدهشني السارد بحيلة في الحبكة غيرت موقفي من القصة، وبدد ترقبي ليحول إلى سكينة؛ بل إلى سكينتين: الأولى للقصة وقرار النهاية، والثانية لذكراي مع سان سباستيان ومقامي فيها.

شجرة سان سباستيان – ظهورها ثم اختفاءها!

عدت بعد قصة مارياس إلى تذكر رحلتي وإلى مذكراتي التي كنت أكتبها في دفتر أصفر اللون، أو كما أحب تسميته "كتاب مذكراتي" لأضفي عليه هيبة عندما كنت أحمله معي أينما قعدت أو ارتحلت طوال الثلاثة أشهر تلك.

ومن الحوادث التي دونتها هي حادثة شجرة غرست في ساحة شهيرة وسط سان سباستيان تحيطها العمائر ذوات الأربعة أدوار. كان للساحة صولات وجولات في أمور السياسة والرياضة في تاريخ مدينتهم. كنا نمر بتلك الساحة كثيرًا لنختصر مسافة التنقل ونقعد أحيانًا لتمضية الوقت. فيها مطاعم وأمامها طاولات وكراسي يفردونها كل يوم في أنحاء من الساحة أوقات الغداء والعشاء. لم يكن فيها أشجار ولا ورود أو تراب؛ بل أعمدة حجرية في الأطراف تقوم البناء، وكذلك بعض أعمدة الإنارة. لكن في يوم وجدت شجرة قد زرعت في وسط الساحة. آثار قلع البلاط الحجري موجود في تلك البقعة الصغيرة، والتراب يحوط الشجرة التي غرسوها وحيدة. لم ترتفع سوى مترًا واحدًا إلى أقل من المترين بقليل، وأغصانها رفيعة، وأوراقها أكاد أعدها. منتصبة لوحدها في الوسط دون سبب لوجودها ولا غاية لها، لا شيء حولها يدل عليها ولا هي تدل على شيء. في اليوم اللاحق نزعوها، وعادت الأحجار إلى مكانها؛ دون سبب كذلك.

لم يصدقني زميلي لما شرحت له ذلك عندما أريته ونحن هناك أن شجرة كانت أمس هنا. جهلي لتفسير وضعها هنا ثم لماذا قلعت جعل زميلي ينكر ما قلت. يا لغرابة وضعها المفاجئ في مكان لا تنتمي إليه؛ غرس شجرة واحدة في المنتصف بين كل الأحجار، ثم قلعها في اليوم التالي. لا أدري، ربما لو بقيت الشجرة لصار الأمر أغرب!

ظللت بعدها أتفكر وأدون في كتاب مذكراتي عن هذه الشجرة وغرابتها وإنكار زميلي لها. شككت فيما حدث لأني لم أجد دليلًا أظهره لزميلي، وما أصعب الحقيقة التي تعجزك عن إقناع الناس بها. وتخيلت أيضًا جماعة سرية فرضت رأيها بغرس تلك الشجرة وسط الساحة احتجاجًا على أمر أو مطالبة بشيء، أو أن هذه الجماعة السرية هي من قلعها! لا أدري ما الدوافع ستكون لأي من الحالين.

أفكار قصص كثيرة دونتها في كتاب مذكراتي. بقيت أغلبها حبيسة الكتاب معلقة وهي متجردة من أي حدث أو شخوص يتلبسونها... لكن بعضها تسربت إلى قصصي.

  *

رغم زيارة إسبانيا أربع مرات في أعوام شبه متتالية، إلا أنني لم أكتب مذكراتي خلال الترحال إلا في الرحلة الأخيرة؛ ربما لأن مدتها كانت الأطول، وتمرسي للكتابة صار أفضل من قبل. إلا أن أشد ما ألح علي للكتابة في تلك الرحلة هو معرفتي بأنها ستكون الأخيرة إلى إسبانيا. كأنني أردت التمسك بأفكاري عما أشاهد، أن تبقي ذاكرتي أقصى ما تستطيع لأطول زمن. وها أنا هذه الأيام أعود لتقليب الصفحات وإنعاش ذاكرتي، والفضل لخافير مارياس وتلصص شخصياته على زوار شاطئ لا كونشا.

توزعت رحلاتي الأربع بين مدنها الأكبر والأشهر وهي التي بدأت بها، وزيارات لبعض لمزارات الأثرية الإسلامية والمسيحية، وترحال بين مدن الجنوب الأندلسي، وبقاء عند مدن السواحل كلما اشتدت حرارة الشمس. تعلمت جزءًا يسيرًا من اللغة الإسبانية، وبعضًا من عاداتهم وثقافتهم وتاريخهم. تعمق عندي الاهتمام بالفنون وأثرها من زيارة المعارض والمتاحف ورؤية الفنون هناك، وغمرتني أفكار لأحداث أتصورها كيف حدثت إن كانت من الماضي وتاريخ البلاد، أو كيف ستحدث إن كانت أفكارًا متخيلة لقصص ربما أكتبها بعدما أعود.

*

بعدما عدت من رحلة الثلاثة أشهر قررت ألا أكتفي بما كتبت، ولا أن أزيد على مذكراتي. بل جاءتني فكرة أن أكتب رواية متخيلة أحداثها في إسبانيا. وهذا يعني أن أزيح التفكر فيما حدث لي هناك، وأبدل نفسي بشخوص متخيلين يزورون إسبانيا ويمرون على مزاراتها.

قررت كتابة الرواية بعد عودتي بأشهر، وعملت عامًا كاملًا في تهيئة نفسي للكتابة ومحاولة تطوير الفكرة وفهم منظور البطل للحدث. اخترت لها عنوانًا قبلما أبدأ الكتابة، وكانت هذه هي إشارة التهيؤ للبدء.

عنوان روايتي هو "حكاية عبد الرحمن الرابع" ومنها انطلقت في رحلة الستة أشهر لكتابة المسودة والتفكر بعدها عن كيف سأضبطها. ثم قضيت عامين في مراجعتها والتعديل والإضافة والحذف. أبقيتها عندي محفوظة وأرجأت نشرها حتى هذا العام، وسأنشرها في الشهور القادمة إن تيسر لي. آمل أن ترضي روايتي من سيقرأها، وأما من شد علي في النصح من أصدقائي أن تنشر ليقرؤوها، فأتمنى ألا يحبطوا إذا وصلتهم.

 

تلميح عن الرواية:

يحكيها صحفي سعودي سافر إلى إسبانيا لعمل تحقيق صحفي يتعلق بقضية، أو جريمة، حدثت وأثرت على أناس كثر؛ أحدهم اسمه عبد الرحمن.

 

ذو القعدة 1447

Recent Posts

ذاكرة مستعملة... للبيع

الكتاب المستعمل يخسر قيمته إذا تخلى عنه مالكه الأول قررت ذات مرة دخول مكتبة للكتاب المستعمل كانت على الشارع التجاري بحينا الذي نشأت فيه...

 
 

Comments


Commenting on this post isn't available anymore. Contact the site owner for more info.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page