حكاية فيصل وشريط الفيديو: رأي جدي في فيلم تاريخي
- 2 hours ago
- 3 min read
ظننت من إعادة قراءتي لرواية "حكاية فيصل" للكاتب اللبناني خالد زيادة، هو أنني سأتذكر قراءتي الأولى لهذا الكتاب، والتي كانت قبل قرابة خمسة عشر عامًا، لكن ما حدث كان أغرب وأقدم. صرت وأنا أقلب صفحات الرواية أتذكر أيام عيد أضحى قبل ربما خمسة وعشرين عامًا، في مزرعة جدي الصغيرة. قضيت ذلك العيد معه ومع بعض أخوالي وقليل من أبناء أخوالي وخالاتي، وكان من عادتنا كل عيد أن نقضي بضع أيام هناك. أتذكر ذلك العيد بالذات أننا كنا قليل عددنا؛ مع أني لا أتذكر لم ذاك.
أحضر أحد أخوالي شريط فيديو لفيلم تاريخي يريد عرضه على جدي سعد، رحمه الله، الذي كان يهوى القصص يحكيها ويسمعها ويقرأها. ومن طبعه أن يتفقد ما عند الناس من قصص، ويسألهم أن يعيدوا ذكر قصص في أزمان خالدة. كنت متشوقًا لمشاهدة هذا الفيلم القديم الذي هو عن أحداث حقيقية في زمن الحرب العالمية الأولى، ومتشوقًا أكثر لآراء جدي عن صدق أحداث الفيلم أو خيالاتها المدّعاة. من لقي جدي يعرف حدة رأيه، وإذا سمع خلافًا لما يعتقد أظهر التباين وشدّ في النقد. هو لم يع تلك الفترة إبان حدوثها، لأنه ولد قبيل الحرب العالمية الأولى حسب مرويات من تفحص وسأل، لكنه حضر الذين سمعوا عنها من قرب، وقرأ وعاين أحداثًا زامنت فترة ما بعد الحرب وما بعد تفكك الثورة العربية وحلم الثوار باتحاد العرب في دولة واحدة، والذين كان منهم الشريف فيصل وأخوانه وأبوه الحسين.
*
أتذكر الورق المقوى (أو الكرتوني) الذي يحوي شريط الفيديو ذاك. كان عليه ملصق الفيلم، وكلما عصرت فكري لأتخيله أجده أصفرًا فاقعًا: صفرة الرمال في الجزء السفلي من الملصق، وصفرة عنوان الفيلم، وكذلك صفرة لباس الممثل الذي قام بدور البطل الكابتن لورانس. حكاية الفيلم هي عن هذا الضابط البريطاني الذي خاض حروبًا مع العرب أتباع الشريف حسين وغيره ضد العثمانيين أو من بقي منهم. اسم الفيلم هو "لورانس العرب،" وشاهدناه دون ترجمة ولا دبلجة. بل كان خالي يوقف الفيديو بعد كل مشهد حوار، ويشرح لجدي ماذا حدث وماذا قال لورانس، أو غيره، ومن كان يحدثه.
ما أن انتهى الفيلم إلا وقد احتد النقاش بينهم عن تاريخ تلك الفترة: عن الدولة العثمانية واضمحلالها هل كان في مصلحة العرب؟ وعن الثورة تلك هل أفادت العرب أم أضرتهم؟ كما تعددت مواقف أبناء أخوالي وخالاتي عن لورنس هذا وهويته، وهل هو جاسوس مخادع؟ أم باحث عن مجد له بمناصرة العرب؟ بينما جدي يصحح لمن أخطأ، ويبين حقائق نجهلها. لا أتذكر ماذا كان موقفي ولا مع أي صف كنت، أو أي رأي اتخذت. بل حتى لا أتذكر أيهم اختلف أو وافق مع من. أغلب ما في تلك الليلة راح في طي النسيان.
وضع منتجو شريط الفيديو ملحقًا في نهايته بعد انتهاء الفيلم، فيه مقابلات مصورة مع الممثلين الذين قاموا بأدوار رئيسة في الفيلم. كان الصحفي، على ما أظن، واقفًا خارج مبنى ضخم، ويسأل كل ممثل وهو نازل من درجات عديدة خارجًا من ذلك المبنى المرتفع. ربما كانت أسئلة عن الشخصيات التي مثلوها، أو عن انطباعاتهم للفيلم بعد عرضه، أو ربما شعورهم عن جائزة فازوا بها؛ إن كانوا فازوا بأي جائزة، لا أدري. لكن ما أتذكره هو اللبس الذي حدث في عرض هذه المقابلات مباشرة بعد الفيلم، حيث أن جدي ظن أن الشخصيات التاريخية هم أنفسهم من أجريت المقابلات معهم، خصوصًا أن تصوير الفيلم كان في زمن قديم، لكنه كان متعجبًا لعدم توافق المبنى الضخم ذاك مع منطقتنا العربية والمباني التي فيها ذلك الزمن. إلا أن خالي شرح أن هؤلاء هم الممثلون لا الشخصيات التاريخية. وأما أنا، فأزعجتني تلك المقابلات؛ لأنها سحبتني من جو البادية والمعارك الصحراوية، ومشاهد مكة ومصر والعقبة وغيرها. رأيت الممثلين خارج لبوسهم التي ألفتها للتو.
*
حكاية فيصل هي رواية تاريخية سردت على لسان الشريف فيصل الذي حكم سوريا لعامين إبان ثورة العرب ضد الأتراك في أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم لاحقًا تولى فيصل حكم العراق بعد معاهدات دبلوماسية أجريت. حكى الشريف فيصل عن خسارته حكم سوريا وهو يدون موقفه من الأحداث ومن تأسيس العرب ما أسموه جمعية الفتاة العرب. ذكر عن الخيانات التي حدثت وتقاعس بعض السياسيين والعسكريين الذين عمل معهم. وعرفنا كذلك عن علاقته مع أبيه الشريف حسين، والخلافات التي كانت بينهما.
*
من المشاهد التي أتذكرها في الفيلم -
ضياع لورانس في سيناء حينما أراد العودة إلى القاهرة لطلب المعونة العسكرية لمساعدة العرب في حروبهم. عاصفة ألمت به وبرفاقه العرب وهم في وسط الصحراء، لم يعد يروا شيئًا من أعاصير الرمل. صاروا يتدثرون ويتلثمون بعباءاتهم حتى خفتت العصفة، وعادوا يبحثون عن طريقهم وقد ضلوا. وأظن المخرج أراد بهذا المشهد إظهار مجاز مشابه لقوم موسى حين خرجوا من مصر وتشتتوا في صحراء سيناء.
وما زلت أتخيل سكة الحديد للقطارات العثمانية بينما الثوار ولورانس معهم يلغمون السكة بالمتفجرات، ثم يمدون الأسلاك إلى خلف تلة ويختبئون خلفها. كأنني أراهم متربصين هناك بانتظار جند الأتراك وأسلحتهم وعتادهم الآتي بالعربات لينقضوا عليهم بعدما يقطعون حديد سكتهم ويضعفون دفاعاتهم.
*
قراءتي الثانية للرواية أخفتت انبهاري القديم بها الذي حفظته في خيالي عن قراءتي الأولى لها. وأخشى أن لو عدت إلى مشاهدة فيلم لورانس، فأخسر حنين أمسيتنا وتذكري لها: جلوسنا أمام شاشة التلفاز المربعة في ذلك المجلس خافت الأضواء.
سأحتفظ الآن بذكراي تلك، وقد أعيد مشاهدة الفيلم بعد زمن طويل لو شئت.
ذو الحجة 1447



Comments