top of page

الحظ في الروايات: بين حوريات تايتن ومكتب البريد

  • Apr 10
  • 3 min read

قضى نويل كونستانت، والد مالاتشي، سنوات في فندق اسمه ويلبورهامبتون في الغرفة رقم 223. عنده في الغرفة نسخة من الإنجيل المقدس في درج السرير، وصفحة من جريدة بها أسعار الأسهم المتداولة قبل أربعة عشر عام، ومنها خطر في باله أن يكون متنبأ في الأسهم. أنشأ نويل إمبراطوريته الضخمة، شركة ماجنوم أوبوس، بينما هو في هذه الغرفة: معه الإنجيل وقلم واحد ودفتر شيكات وأظرف بريدية، وبرصيد في البنك قدره ثمانية آلاف دولار ومئتين واثنا عشر دولار.

هذا من رواية "حوريات تايتن"، الرواية الثانية لكاتبي المفضل كورت فونيجت، والذي من أسلوبه في السرد أن يعطيك تفاصيل ودقائق في أمور تظن أن لا معنى منها، إلا أن سخريته تكمن في المبالغة بتلك التفاصيل. عد علينا بالضبط كم كان يملك نويل في حسابه البنكي أول ما بدأ التداول بالأسهم، مثلما وصف لنا أبعاد تلك الغرفة التي سكن فيها، وعرض لنا كل ما تحويه. ربما فعل فونيجت ذلك لتعميق الفكرة الساخرة، في أن نويل حقق الثراء من تلك الغرفة ذات الرقم 223 بالقليل الذي يملكه، وبالحظ الوافر الذي تنزل عليه.

استعان نويل بسفر الخلق (أو النشوء) من الإنجيل، بأن أخذ الجملة الأولى وفرق أحرفها ثم جمعها ليتشكل له رموز شركات في سوق الأسهم. وضع كل ماله في أول شركة، شركة واحدة. وانتظر حتى تضاعف ماله ثم باع تلك الأسهم. وعاد يفعل الشيء نفسه مع شركة ثانية ثم ثالثة... حتى حقق مليون دولار وربع المليون في عام واحد (لاحظ دقة الربع هنا! كاتبنا لا يجبر الكسور بل يبقيها). نجح لا لذكائه وألمعيته، بل لبساطة طريقته الغبية وغير المسؤولة في الاختيار. ثم صار يشتري حصصًا كبيرة في شركات تفوز بعقود ضخمة مع الحكومة وهو لا يدري بأخبارها، بل اعتمد على ما يجد في الإنجيل. وبعد وقت أتاه موظف الضرائب في غرفته وقال له: "بناء على حساباتي، أنت أوفر الناس حظًا!" رد عليه نويل: "أنا محظوظ؟" كأنه لم يعرف ما هو الحظ! ثم شرح له الشاب بأن حظه سيتركه في يوم من الأيام إلا لو عمل بنصائحه.

إنكار صاحب الحظ أنه حظيظ يتكرر في الرواية؛ كأن عدم اعتراف الإنسان به هو ما يجعل حظه عنده لا يغادره. لكننا نجد في هذه الرواية أن كل حظ وافر يقابله حظ سيء؛ كأنها من مفارقات الحياة واتزانها أن تعادل الحظ الجيد بحظ آخر يعاكسه. صور السارد الحظ السيء بأنه قدر لا مناص لأحد عنه، أو نقمة غامضة تقابل تلك النعمة. وسير الحظ السيء شخصيتين ليجعلهما تعزمان السفر إلى المريخ غصبًا عنهما، لكن برضاهما. كانت نبوءة لم يصدقانها في البدء، ثم سلما أمرهما لها بعد أن صفعتهما حظوظهما.

الحظ في رواية حوريات تايتن هو ثيمة لصيقة بالحكاية؛ فنجد كرونو الصغير البارع في رياضة كرة المضرب الألمانية يحتفظ بقطعة جالبة للحظ يقبلها عند لعبه في المباريات الحاسمة. وبالمناسبة، كرونو هو طفل حظيظ كذلك؛ فهو أحد الأطفال الاثنين وخمسين الذين يعيشون في مدينة فيبي عاصمة المريخ ومدينتها الوحيدة.

قال السارد في عبارته الافتتاحية للرواية: "صار الكل يعرف كيف يجد معنى الحياة في داخل نفسه. لكن البشر لم يكونوا دومًا بهذا الحظ. قبل أقل من قرن من الزمان لم يكن للرجال والنساء سبيلًا ميسرة لصناديق الألغاز في دواخلهم. لم يتمكنوا من تسمية ولا حتى بابًا واحدًا من بوابات الروح."

*

وأما في رواية "مكتب البريد" للكاتب تشارلز بوكوفسكي، فنسمع بطلها هنري تشيناسكي يحكي عن وظيفته في مكتب البريد في توصيل الطرود ومعاناته مع الجو والناس والأعطال وكل ضرر يواجهه. نرى حظه السيء في هذا العمل المرهق، ولا يبتسم له الحظ إلا عندما يخرج إلى ميادين سباقات الخيول. حينها يفوز في الرهانات باستراتيجية دقيقة يرافقها كثير من الحظ.

خلال الرواية نرى الحظ يفرح هنري تشيناسكي مرة ويصفعه بعدها مرات. تزوج من فتاة ثرية، لكنها أجبرته على العودة إلى العمل بعد ترك وظيفته؛ لأنها من بلدة صغيرة في تكساس، والناس من حولهم يذمون تصرف هنري الذي يقعد بلا عمل وقد تزوج هذه الثرية ليغتني من مالها. وكونه لا يعرف إلا مكتب البريد، اضطر على العودة إلى حظه البائس والعمل لساعات طويلة عملًا ورقيًا لا روح فيه.

اختار الكاتب للبطل اسمًا مشابهًا لاسمه، تشارلز بوكوفسكي وهنري تشيناسكي، كأنه يخبرنا أن هذا هو أنا دون أن يصرح به. وجدت روايته بحبكة متواضعة، إلا أن الحظ فيها ناصع القسوة ما جعلني أظل متفكرًا في هذا الحظ كيف شكل حياة هنري.

*

روايات تتناول الحظ لم أقرأها بعد –

لدى الكاتب الروسي فيودور دوستويفكسي رواية بعنوان "المقامر"، وهي تحكي عن معلم يعمل عند أسرة أرستقراطية ويقيم في نزل به ملهى للعب المقامرة. ثيمة هذه الرواية قد تناسب موضوع المقالة هذه، لكن لم أقرأ الرواية بعد ولم أحصل عليها. سأحرص على قراءة الرواية، وسأتصالح مع هذا الكاتب الذي قاطعته بعد قراءة الأخوة كارامازوف.

ووجدت من بحث عن موضوع الحظ أن هناك رواية بعنوان "جيم المحظوظ" لكاتب إنجليزي اسمه كينجسلي أميس. وجيم بطل الرواية يعمل محاضرًا جامعيًا يدرس تاريخ العصور الوسطى؛ هو محاضر مؤقت في الجامعة وكان يخشى أن يخسر وظيفته بنهاية العام. لا أدري مدى علاقة أحداث الرواية بالحظ، ولا إن كان هناك ترابطًا مع الروايات الأخرى المذكورة أعلاه سوى العنوان، لكن الطريف هو في صدفة مهنة التعليم الموجودة عند جيم المحظوظ وعند المقامر بطل رواية دوستويفسكي. سأقرأهما وقد أعود بمقالة تلحق بما كتبت هنا.

 

شوال 1447

Comments


Commenting on this post isn't available anymore. Contact the site owner for more info.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page