الشريف ابن شامخ
- Mar 29
- 8 min read
شامخ هو جد حسين لأبيه، بل جد أبيه. واسمه الكامل هو حسين ابن إبراهيم ابن فيصل ابن شامخ الشريف. توفي جده فيصل قبل خمسة أشهر، وهو الآن في أول سفر له خارج الحجاز منذ وفاته.
زار مسجد صقلي باشا في إسطنبول وتفقد جدرانه وأعمدته. تلمس ما استطاع من حجارتها، وتبصر فيها يتفطن اختلافها عن أحجار جده، المرحوم فيصل، التي ورثها عن شامخ وحفظها حتى مماته.
لم يفحص الشريف حسين كل حجارة المسجد، بل جعل هَمّه وهمته في أربع أحجار صغيرة في حجم الكف أو أكبر قليلًا. تميزت هذه الأربع عن بقية حجارة المسجد ورخامه وطلائه المذهب. قطعة منها في مدخل المسجد فوق بابه العتيق الشاهق، وأخرى فوق المحراب شاهد على المصلين ينظرون إليها كلما رفعوا رؤوسهم. وأما القطعتين الأخريين فإحداهما تحت قبة المنبر العالية، والثانية على مدخل المنبر للدرج الصاعد إليه. برزت كلها بسوادها عن بقية حجارة المسجد وجدرانه وطلائه. لم يقدر على لمس أي من هذه الأحجار الأربع إلا القطعة التي زينت مدخل المنبر لصعوده. وقف على كرسي وتحسسها بأصابع يده اليمنى. لم يطل لأجل من خلفه أن يفعلوا مثله. هم لم يريدوا إلا تبركًا بها، وأما هو فشغلته أحجار شامخ جد أبيه: يتذكر ملمسها ولونها وشكل حبيباتها وحوافها، ثم يتبصر في هذه المعلقة إن كانت تشابهها في شيء من ذلك أو لا.
نزل من كرسيه الذي قربه له رجل تركي متصوف عليه علامات الوقار: قماش أحمر تدلى من عنقه، وعمامة بيضاء صغيرة حوت شعر رأسه، وشعيرات بيضاء دورت حول وجهه. أبعد الكرسي وهو يترقب في وجه الشريف حسين ينتظر جوابًا أو حماسًا مثله.
"ما رأيك؟ هذه حجارة الجنة. امسح يديك في وجهك بعد أن لمستها. لا بد أن تمسحه لتأتيك البركة، ولا تنس الدعاء."
أنهى الشريف دعاءه ومسح وجهه بكفيه، ثم أعاد التركي سؤاله: "ما رأيك يا بُني؟"
قال الشريف: "وما رأيي في حجارة جنة الله! أنا مسرور لأنك سمحت لي."
رفع الرجل سبابته وحمد الله وقال: "ندخلها برحمته، قل آمين."
أمّن الشريف حسين على دعوته. ثم سأله التركي المتصوف عن اسمه ومن أي بلد هو. قال اسمه دون ذكر أنه من الأشراف، وذكر أنه من الحجاز دون أن يفصل هو من أي مدينة. تهلل وجه المتصوف ووحد الله. كاد أن يلمس كتف الشريف لبركة بلده. أصر عليه أن يجلس معه فقعدا ساعة في ساحات المسجد شربا فيها الشاي، وحدّث الشريفُ المتصوفَ عن حجارة شامخ جد أبيه.
هو كان يجهل أمر أحجار جده، ولا أحد من أعمامه عرف عنها. توفي جده فيصل ابن شامخ ووجدوا عنده ست قطع من حجارة سوداء. كتب في ورقة أن أباه شامخ غنمها من قمة في إحدى جبال السراة في آخر رحلة له. كان هذا قبل أكثر من مئة سنة. أراد جده فيصل أن تبقى الأحجار مع كتبه ومقتنياته القديمة: "لا تباع ولا ترمى، بل يجب أن تحفظ،" هذا ما حرّص عليه. لن يهتم بها أعمامه؛ لا الأحجار النفيسة ولا المقتنيات النادرة ولا أي شيء في مكتبته. استأذنهم حسين أن يتعهد كل ما تركه جده سوى أمواله وبيته وعقاراته التي بدأوا في قسمتها. قبلوا ذلك وأذنوا له. أراحهم من أشياءه وكتبه، وتنازلوا عنها بعدما تأكدوا خلو أوراقه من أي كمبيالة تُحصل، أو صك أرض أو عقار يزيدون به أملاكهم، أو أسهم شركات فيها أرباح لهم.
عرض حسين هذه الأحجار الست على صديقه مهند القاري. أكثر عليه السؤال عن مصدرها ومتى حصل عليها، وحسين ينفي معرفة أي شيء غير أن الحجارة جمعها جد أبيه شامخ. لكن فرادة هذه الأحجار في لونها القاتم، ومتانة سطحها الخشن، وحوافها الحادة، وخلوها من أي خدوش حيرت صديقه مهند ولم يتركها أو ينفك عن أسئلته. وحين عجزا عن أي جواب أو بصيرة، صار مهند يتكهن تأريخًا لسيرة هذه الأحجار جعلت شامخ يحفظها، ثم ابنه فيصل يخفيها ويحميها ويوصي بعد مماته بإبقائها مجموعة لا تباع ولا ترمى.
أوضح الشريف لصديقه: "لا تبالغ يا مهند في تفسيرها. هي ليست إلا حجرًا."
قال صديقه: "لم أبالغ، انظر فيها. هي سوداء لمّاعة. أتحداك أن تجد مثيلًا لها غير الحجر الأسود في الكعبة،" ومسح بأصابعه على حجارة منها وقال: "أنظر في يدي، لم تتلطخ بشيء منها." كانت أصابعه ملساء صافية دون أي عوالق؛ كأنه مررها على قطن أو حرير.
قال الشريف حسين: "ولهذا اعتنى بها أجدادي، وسأحفظها من بعدهم. لا أقول أنها مثل الحجر الأسود، لكنها أحجار نادرة." رد عليه مهند: "هي أكثر من نادرة، هذه الأحجار هي مثل الحجر الأسود أو قطعة منه،" كاد يحلف صديقه بأنها من نفس معدن الحجر الأسود الموجودة في المسجد الحرام. وهذا ما أغضب الشريف حسين، حلف عليه ألا يحلف. وأوضح له أن جده شامخ ليس بنبيّ حتى ينزل عليه حجر من الجنة.
هو لم يشهد شامخ جد أبيه، ولم يلقه أبدًا. لكن كل ما سمع حسين عن شامخ هو أنه كان يخرج إلى البرية كثيرًا، وزار كل صحاري الجزيرة وجبالها، ولا يطيب له مقام في بلد إلا عاد للترحال. كان هذا في شبابه، وقبل أن يعجز عن التسلق للقمم والسفر على الجمال. لا بد أنه وجد هذه الحجارة في أحد جبال مكة أو حواليها.
لم يهدأ مهند عن حماسته، ولم يثنه حسين بشرحه وتهوينه أمر الأحجار. وقف وهما ما زالا في مكتبة المرحوم فيصل بن شامخ، وأعلن للشريف بقوله: "إذن نفحصها!" سايره حسين حتى لا يكثر عليه في اللوم، وظن أن فحص صديقه لن يتعدى النظر فيها. لكنه فعل العجب بفحصه.
أحضر مهند إناءً ملأه ماء وجعله في وسط المكتبة. ترطب السجاد الأحمر من حوله أثناء وضعه ولم يقل حسين شيئًا. أخذ مهند أصغر حجارة ولم يمانعه الشريف لير ماذا سيفعل. أغطسها في الإناء وهي ما زالت في يده ثم قال: "سنعرف بهذه التجربة. إن غاصت فهي حجر عادي، كل الحجارة تغوص إلا الحجر الأسود. الحجر الأسود يطفو فوق الماء. هذه حقيقة علمية." ثم فلت يده.
غطست الحجارة بجرمها كله ولم تطف. ضحك حسين ثم حبس ضحكته وأوقف ابتسامته. ارتفع ركن من الحجارة ولم تبق كلها في قاع الإناء. بقيت معلقة في الوسط؛ بعضها وصل للقاع وبقيتها معلق، وركنٌ منها ظهر على سطح الماء. قال مهند: "طفا بعضها." رد عليه حسين: "الحجر الأسود يطفو كله فوق الماء، حسب قولك." سحب مهند الحجارة وأخرجها وهو يقول: "هذا لأن الطست صغير." ثم وقف ويده تقطر على السجاد. قال له الشريف: "ما اقتنعت؟ هل ستعمل تجربة جديدة حتى تثبت أنها مثل الحجر الأسود؟" قال صديقه: "لا، سأعيد نفس التجربة في حوض أكبر."
خرج من المكتبة وتبعه الشريف مرتابًا. لا حوض أكبر في بيت جده إلا بركة السباحة! حذره من أن يرميها في البركة ولم يرد عليه. حاول سحبها منه ولم يقدر. وصلا إلى البركة المتسخة ورمى الحجارة فيها وحسين يصرخ في وجهه: "ستفسدها يا غبي، البركة لم تنظف منذ سنة."
غطست الحجارة في الماء الداكن واختفت فيه. نظر الشريف في مهند وهو غاضب، فقال: "لا عليك يا حسين، سألحقها وأخرجها." ثم بدأ يفرغ جيوب ثوبه. لامه الشريف على رمي الحجارة العزيزة على جديه وعليه. خالف وصية جده؛ يجب ألا ترمى! اعتذر منه صديقه وخلع ثوبه. بقي واقفًا ينتظر للصخرة أن تبرز وتطفو. قال له الشريف أنها لن تطفو، فرد عليه مهند: "ربما منعها غصن شجرة فبقيت في الماء". طال انتظاره ثم قفز في البركة بعد أن فقد الشريف صبره على فقد إحدى أحجار جده.
وبعد دقائق من البحث والعوم، وإعادة الكرة أكثر من خمس مرات، وجدها وهي لم تغص إلى قاع البركة. فرح مهند وعدها معجزة؛ كل الحجارة تغوص إلى القاع، إلا هذه الأحجار تميل وتبقى معلقة. لا تطفو مثل الحجر الأسود، لكنها سوداء شبيهة بها. هذه خلاصة تجربة مهند القاري الذي سر بها. وأما الشريف حسين فكان يتفقد الحجر ألا نقص جرمها أو خدشت أطرافها أو أضرها بللها.
زار الكعبة في ساعة ليس فيها زحام. واستلم الحجر الأسود: قبله وتحسسه. لم يكن الحجر واضحًا لضعف الضوء حوله، ولم يتحسس أجرام قطعه الثمان بسبب الصمغ الأحمر الذي أحاطها، لكنه اكتفى بمسح جزء من سطحها. لم يتبين الشريف أي مزية في أحجار جده شامخ تجعلها مشابهةً لها. لكن لن يطيب له فكره، ولن يهدأ بال صديقه مهند ويريحه إلا بعد أن يتبين التشابه أو التماثل أو التضاد بين الحجر الأسود وأحجار جده شامخ. داخلته رغبة أن تكون حجارة جده شامخ مثل هذه القطع المحفوظة في ركن الكعبة. أن تكون الست قطع التي جمعها الشريف شامخ واعتنى بها الشريف فيصل محظية بقدسية خاصة عنده وعند الناس، وأن لها ندرة فذة تطيّب ذكرى جديه وترفع من بقاء ذكرهما.
ولنفس المقصد سافر إلى تركيا ليزور مواضع عرضت فيها قطع من الحجر الأسود وما زالت باقية. طلب منه مهند أن يذهب أيضًا إلى بريطانيا لوجود قطع أخرى في متحف هناك، لكنه سيكتفي بما في تركيا، كما أن قطع المتاحف لن يتمكن من لمسها.
قيل للشريف عن ضريح سليمان القانوني في إسطنبول الذي زين بقطعة من الحجر الأسود وحثه مهند على زيارته، لكنه رفض ولم يقربه. اقتلعت قطعة من الحجر الأسود وجلبت من الحرم الشريف إلى قبر ميت! لن يقعد عند قبر نهبت له مقدسات القبلة. أسكت صديقه عندما خاصمه وهو يقنعه بزيارته؛ وقال: "الشريف لا يزور قبرًا كهذا."
ما زار في تركيا إلا مسجد صقلي باشا. فحص جدرانه وحجارته. كانت قطع الحجر الأسود في هذا المسجد أبلغ في تحسسها من الحجر الأسود في الكعبة لعدم وجود صمغ يغطيها، لكنها أضعف هيبة وأبهت صفاءًا وأسهل منالًا.
فرغ كوباهما على حديث الشريف عن أحجار جده شامخ، ولم يبق من إبريق الشاي إلا خثارته. صبها التركي المتصوف في كوبه ثم قال:
"وهل أحضرت الأحجار الست معك؟"
قال الشريف: "لا."
"ولا حتى واحدة؟"
"ولا واحدة."
"ولا التي غرقت؟"
"ولا تلك التي غرقت. سأريك صورها، صورتها كلها."
أخرج الشريف جواله وسلمه للرجل التركي. مسك جواله وقربه لعينيه التي ألبسها نظاراته. أكبر المتصوف ما رأى، وعظّم الأحجار واحدة تلو الأخرى. سماها ووصفها، وسبح لله ووحد وكبر، وصلى على النبي وسلم. أكثر من لمس شاشة الجوال حتى كاد أن يقبلها.
سأله الشريف: "هل تظن أنها نادرة؟"
قال المتصوف: "أجل! هذه أحجار مقدسة، يكفي أنها من الحجاز. يا ليت أن عندي مثلها."
أعاد إليه الجوال وسأله: "وماذا ستفعل بها؟"
قال الشريف: "لا أدري. ماذا ستفعل لو كنت مكاني؟"
تفكر المتصوف بما حوله ثم قال: "لا تضعها في مسجد كهذا."
احتار الشريف في مغزى كلامه وسأله: "ولم لا؟ ما العيب في هذا المسجد؟"
أنهى ما بقي في كوبه من الشاي المسود وقال: "لا عيب فيه. لو أنك أتيت قبل عشر سنوات أو عشرين سنة وسألتني، لقلت لك ضعها في أضخم مسجد تجده بأعلى المآذن وأوسع القبب وأرفع الأنوار. مسجد في أكبر المدن وأزحمها بالناس."
سكت بعدها وظن الشريف أنه قد نسي ماذا سيقول أو سهى عنه. تنحنح فانتبه له المتصوف وقال: "لكن الآن أقول لك؛ ضعها في قرية لا مدينة. في مسجد قرية على جبل، أو في طرف صحراء، أو بين مزارع، أو قرب ساحل بحرٍ لا يؤمه الناس. دع الفقير يتأملها قبل الغني، ويتحسسها المنقطع عن الناس قبل الحافل بهم، ويهنأ بها المتنعم بسلمه وهدوء ما حوله قبل الخائض في أضواء المدن وأعمالها وملهياتها. هؤلاء هم من يقدر روحانية ما معك أكثر من غيرهم."
هي إذن إما جبل يصعب صعوده، أو صحراء يعجز أغلب الناس خوضها، أو ساحل يندر مرور الناس فيه. عرف الشريف ما عليه فعله. أنبهته نصيحة المتصوف وجعلته أحذر وأنبه. لن يعرضها على أحد، ولن يخرجها من مكتبة جده بين أشياءه ومقتنياته. لا مسجد صغير ولا كبير، ولا قرية ولا مدينة، ولا جبل ولا ساحل ولا صحراء. سيحفظها ويخبئها كما خبأها جده فيصل؛ في مكتبته إن لم يبع أعمامه بيت جده، أو عنده في بيته إن باعوا بيت جده.
ودّعه على عجل. دعا له المتصوف عند رحيله، وشكره حسين على طيبته وحسن نصحه. خرج من ساحات المسجد وهو يسمع أذان المغرب. لم يقعد للصلاة في المسجد، ولن يذهب بحثًا عن مطعم يتعشى فيه كما أراد من قبل؛ لا مطعم على مطل مضيق البسفور في أعلاه في الشمال، ولا قرب جسر السلطان محمد الفاتح في جنوب المضيق. بل عاد إلى فندقه وهو يسارع في ركوبه سيارة الأجرة ويحث سائقها على الإسراع. أسرع إلى ندامة أحضرها معه وأبقاها في خزانة غرفته. جلب إحدى الأحجار إلى إسطنبول. ما أبشع ما فعل.
فرق أحجار جده شامخ بإحضار إحداها هنا. هي في الخزانة الحديدية الصغيرة المثبتة بين رفين. ظنها في مأمن لكن تمكن منه الخوف الآن في أنها قد تسرق. لن يفارقها إذا وصل. صار يردد بينه وبين نفسه رمز فتح قفل الخزانة. أربعة أرقام كررها خوفًا من نسيانها. واستمر يكررها في بهو الفندق وفي المصعد حتى وصل الخزنة. أخطأ في الضغط على أزرارها مرتين حتى كادت ألا تفتح له.
بقي عندها. لم يخرجها من الخزنة ولم يغلق عليها.
لم يفارقها في ليلته ولم يخرج من غرفته. عاهد نفسه أن يعود في غده ويجمعها مع بقية الأحجار ويخبئها عن ملمس وأعين كل الناس، حتى عن صديقه مهند.


Comments